الراغب الأصفهاني

377

الذريعة إلى مكارم الشريعة

كون الفقر وخوفه سبب انتظام أمر الناس حصول الفقر وخوفه المنتجان للحرص هما الباعثان على الجد واحتمال الكدر في منفعة الناس إما باختيار ، وإما باضطرار ، ولهذا قيل : رب ساع لقاعد ، وهو أن الناس لو كفى كل واحد منهم أمره لأدى إلى فساد العالم ، من حيث أنه لم يكن لأحد ( أن ) يتولى لغيره مهنة وكان الواحد منهم يعجز عن القيام بمصالح نفسه كلها فيؤدي ذلك إلى فقر جميعهم . وقد قيل : قيام العالم بالفقر أكثر من قيامه بالغنى لأن الصناعات القائمة بالغنى ثلاث : الملك ، والتجارة ، والكتابة ، وسائرها قائم بالفقر . فلو لم يكن الفقر وخوفه لما انتظم معاش العالم فمن كان يتولى الحياكة والحجامة والدباغة والكناسة ؟ ومن كان ينقل المير والملابس من الشرق إلى الغرب ، ومن الجنوب إلى الشمال ؟ وعلى منفعة الفقر نبه قوله تعالى : نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا « 1 » الآية وقوله : وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ « 2 » الآية . هذا مع أن من الناس من لو كفى أمر دنياه لكان يوجد منه من البغي والتسلط ما يؤدي إلى خراب البلاد وفساد العباد ، بل كان يوجد منه ما يؤدي إلى هلاك نفسه في أسرع مدة ، وعلى ذلك دل قوله تعالى : وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ « 3 » - « 4 » . ومن تدبر صنع اللّه في ذلك وتأمل ما أشار إليه في

--> ( 1 ) الزخرف / 32 . ( 2 ) الزخرف / 33 . ( 3 ) الشورى / 27 . ( 4 ) يلاحظ أن النسخة ط بها نقص ، ففيها من أول الآية : نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ -